زكريا القزويني

296

آثار البلاد واخبار العباد

فقالوا : ان زروعنا تيبس بسبب زرع الشيخ لأن الماء يقصر عن زروعنا بسبب زرعه ! فلمّا سمع الشيخ ذلك فارق تلك القرية وتحوّل بأهله إلى قزوين في سنة أربع عشرة وستّمائة . فلمّا خرج الشيخ منها كانت كبيّت نزع عماده وانهارت قبابها ، وانقطع الماء الذي كانوا يبخلون به على الشيخ ، فأخرج دهاقينها أموالا كثيرة لعمارة القناة فما أفادهم شيئا . وإلى الآن هي خراب . أصفهان مدينة عظيمة من أعلى المدن ومشاهيرها ، جامعة لأشتات الأوصاف الحميدة من طيب التربة وصحة الهواء وعذوبة الماء ، وصفاء الجوّ وصحّة الأبدان ، وحسن صورة أهلها وحذقهم في العلوم والصناعات حتى قالوا : كلّ شيء استقصى صنّاع أصفهان في تحسينها عجز عنها صناع جميع البلدان ؛ قال الشاعر : لست آسى من أصفهان على شي * ء سوى مائها الرّحيق الزّلال ونسيم الصّبا ومنخرق الرّي * ح وجوّ صاف على كلّ حال يبقى التّفّاح بها غضّا سنة ، والحنطة لا تتسوّس بها ، واللحم لا يتغيّر أيّاما . والمدينة القديمة تسمّى جي ؛ قالوا : إنّها من بناء الإسكندر . والمدينة العظمى تسمّى اليهوديّة ، وذاك أن بختنصّر أخذ أسارى بيت المقدس أهل الحرف والصناعات ، فلمّا وصلوا إلى موضع أصفهان وجدوا ماءها وهواءها وتربتها شبيهة ببيت المقدس ، فاختاروها للوطن وأقاموا بها وعمروها . وهي مدينة ترابها كحل وحشيشها زعفران وونيم ذبابها عسل . من عجائبها أمر تفّاحها فإنّها ما دامت في أصفهان لا يكون لها كثير رائحة ، فإذا أخرجت منها فاحت رائحتها حتى لو كانت تفّاحة في قفل لا يبقى في القفل أحد إلّا يحسّ برائحتها . وبها نوع من الكمثرى يقال له ملجي ليس في شيء من البلاد مثله . وإذا وصلوا شجرة الكمثرى بشجرة الخلاف تأتي بثمر لذيذ جدّا .